مقالات المشرفين

فضل الدعوة

الحمد لله رب العالمين, وصلاة وسلاما تامين أكملين على البشير النذير, والسراج المنير, معلم الناس الخير, وهاديهم إلى سواء السبيل, محمد بن عبد الله صلوات ربي وسلامه عليه, نشهد أنه بلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

ثم أما بعد:

فإن الإنسان بطبعه حارث وهمام, مقبل على شأنه من خير أو شر, وحاله هذه أهلته لأن يكون حلقة من الصراع القائم في هذه الدار بين الفضائل والرذائل والحق والضلال , فداعي الخير إلى رضى الله يدعو, وداعي الشر إلى سخط الله والنار يدعو.

وقد أرسل الله الرسل لهداية الناس, وكلفهم بانتشالهم من وَحْل الضلالة كلما ابتعدت الخليقة عن دينها, قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }, ومن سعى إلى هداية الناس كان له من حظ التشبه بمهمة الأنبياء بقدر بذله وجهده.

فالداعي إلى الله هو دال على الله بدعوته, يحببُ الناس إلى ربهم, ويُبين لهم شرعته ودينه, ويُنقذهم من سخطه, فكان خير الناس للناس, قال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا }[فصلت:33.

ووبهذا استحق الداعي أن يكون أفضل الناس وأكرمهم على الله, فعن الحسن البصري رحمه الله: أنه تلا هذه الآية: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله[1].

والله سبحانه وتعالى كما يصطفي من يشاء من البشر لرسالته ودعوته, فيُكرمهم بالرسالة والنبوة, فإنه يصطفي من يشاء من خلقه, فيُكرمهم بالدعوة إليه والدلالة عليه, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء, قال تعال: { الله أعلم حيث يجعل رسالته } [الأنعام: 124], أي: أصلا وفرعا.

ولو شاء الله لهدى الناس جميعا, ولجعلهم كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم, ولكن جعل جِبلَّتهم قابلة للخير والشر, ليكرم من اختارهم بشرف الدعوة إليه, قال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا} [الفرقان: 51], فهي منة من الله تعالى يختص بها الدعاة إليه الغرباء, فيُحمِّلهم أعباء الدعوة إليه, ويتفردون بها ليعظم أجرهم عند الله جزاء صبرهم, وتفردهم بأسباب الخير, فما أعظمها من سلوة للداعية الغريب, فلو شاء ربك سبحانه لأشرك الناس معك في هذا الفضل, ولكن بكرمه تعالى منَّ عليك بهذا الخير الكبير والفضل العميم, وبالله التوفيق.

فالدعوة إلى الله اصطفاء من الرب, واختيار منه سبحانه, فهي منحة ربانية, وعطية جليلة, يختار الله من يشاء لها, والله ذو الفضل العظيم, جعلني الله وإياكم من أهلها, وأكرمني وإياكم بشرفها, وأسبغ علينا أجمعين من واسع فضله, وعظيم كرمه, والله يدعو إلى دار السلام, ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

[1] تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 181).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق
تواصل معنا عبر Whatsapp