المساجدمقالات المشرفين

فضل بناء المساجد

الحمد لله واسع الفضل والإحسان, ذي الجود والفضل والامتنان, والصلاة والسلام على خير ولد عدنان, محمد  وآله وصحبه وبعد:

فإن دار الدنيا مبنية على قانون المعاوضة, والجزاء فيها من جنس العطاء, ومن لم يبذل لم يأخذ, ومن لم يسع لم يجد, بينما المعاملة مع الرب سبحانه مبنية على الفضل والزيادة, والمجازاة على اليسير, والمباركة في القليل

ومن ذلك الفضل العظيم الذي بشَّرَ به النبي صلى الله عليه وسلم لمن ساهم في بناء بيتٍ يُذكر فيه اسم الله عز وجلويُعبد فيه الرب سبحانه دون من سواه, فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من بنى مسجدا لله كمفحص قطاة، أو أصغر، بنى الله له بيتا في الجنة [1]

والقطاةُ طير صغير, يضربُ برجله في الرمل حتى يُهيءَ له مكانا يضع فيه بيضه, بما لا يتجاوز مقدار الكف أو الكفين, ثم يستقرُّ فيه.

فمن شارك ببذل شيء من طيب ماله في بناء بيت من بيوت الله, مشاركةً منه في وضع لبنةٍ من لبناتِ مكانٍ يُذكر فيه اسم الله كثيرا, ويعلو فيه صوت الحق ليلاً ونهارًا, فإن الله يُبارك له على حُسن نيته

ويزيدُه من فضله حتى يكون جزاؤُه أرفع من حطام الدنيا الزائل, ومتاعها الفاني, فإن الله سبحانه يثيبه عن الشيء اليسير الذي قدمه مما يُعتبر مقدارَ مفحص للقطاة, والذي تتخذه القطاة مهجعا لها, ومكانا تطمئن فيها بوضع بيضها فيه, وتغمض عينيها فيه مرتاحة البال على بيضها

يُثِيبُه الربُّ سبحانه ببيتٍ في جنةٍ عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين, ببيتٍ يطمئنُّ فيه, وينسى همَّ الدنيا, ببيتٍ لا يفنى ولا يزول, ببيتٍ ليس من جنس بيوت الدنيا, ببيتٍ لا عينا رأته, ولا أذنا سمعت بمثله, ولا خطر على قلبٍ بشرٍ مثله.

وما هذا الثواب العظيم إلا لعظم ما بُذل هذا المالُ من أجله, فبيوتُ الله أطهر البقاع فوق الأرض, ولإن كانت البيوت تضاف إلى مالكيها, فإن هذه البيوت تضاف إلى مالك الملك الذي بيده ملكوت كل شيء, تعظيمًا لها, وتشريفًا, وإيذانًا بما قد أُعدت من أجله, من عبادة الرب سبحانه وحده فيها دون من سواه.

فالمسجدُ موطنُ الذكر, وتلاوة آيات الذكر الحكيم, وتمريغِ الوجه بالسجود للكريم سبحانه, والاطراحِ بين يديه, فهو المكانُ الذي يقصده الراغبُ والراهبُ, والراجي والخائفُ, فتُهراقُ فيه العبرات, وتُرفع فيه الدعوات, ويتآزرُ فيه الموحدون لله عز وجل, وتجتمع قلوبهم بعد أن اجتمعت أبدانهم.

والله الموفق سبحانه الذي يهدي من يشاء لفعل الخيرات, ويصرف من يشاء عدلا منه وحكمة, فاللهم اجعلنا أسبابا للخير مفاتيح له, فإنك المرجو والمؤمل سبحانك.

[1] أخرجه ابن ماجه في © سننه ® (1/ 244/ 738), كتاب: المساجد والجماعات, باب: من بنى لله مسجدا, وحسنه الألباني في © سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (7/ 1318/ 3445).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق
إغلاق
تواصل معنا عبر Whatsapp